حيدر حب الله

51

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

ب - الصعيد الكلامي العملي ، والمقصود بذلك أنّه هل هذا السلوك بنفسه ( التوسّل ) - مهما كان اعتقاد فاعله على المستوى الذهني والعقلي - هو سلوكٌ شركي أو أنّه سلوكٌ توحيدي أو أنّه سلوك لا يتنافى مع التوحيد ( أو أنّه سلوك غلوّ ) ؟ لماذا فصلنا بين ما سميّناه البعد الكلامي الاعتقادي والبُعد الكلامي العملي ، مع أنّ العمل من شؤون علوم الشريعة لا من شؤون علوم الاعتقاد والكلام ؟ والجواب : إنّ مسألة الشرك عندما تطرح بين التيارات المختلفة عند المسلمين ، فهي تأخذ بُعداً نظريّاً اعتقاديّاً ، وبُعداً عمليّاً سلوكيّاً ، وذلك أنّه يُطرح هنا أنّ من يصلّي ويسجد للصنم معتقداً أنّه غير مستقلّ بالتأثير ، ولكنّه يُعرِض عن الله ويجعل عبادته وصلاته للصنم ، فهذا مشركٌ بالمفهوم القرآني ، لكنّه شركٌ عمليّ ، فالشرك في العبادة شرك عملي ، بمعنى أنّ هذا الشخص لا يرى لغير الله تأثيراً حقيقيّاً مستقلًا في العالم ، لكنّه يجعل علاقته العباديّة متمركزةً مع غير الله تعالى ، فيصلّي للصنم ويصوم له ، وينذر له النذورات ، ويقدّم له القرابين والأضاحي ، ويذبح الحيوانات باسمه لا باسم الله ، ويُقسم ويحلف الأيمان باسمه ، ويخشى من غضب الصنم أيضاً ، ويأخذ معه صنمه بوصفه حامياً له من المخاطر ومؤمناً له من الخوف في الأسفار وغيرها ، ويتمسّح بصنمه ليأخذ منه البركة والخير ، وهو - مع ذلك كلّه - عالمٌ بأنّ الصنم وما يملك ليس إلا ملك الله تعالى . ويرى هذا القول أنّ عرب الجاهلية ومشركي قريش لم يكن شركهم إلا بهذا النحو ، بل حتى لو نظرنا إلى مشركي زماننا - كما يقال عن بلاد الهند والصين - سنرى أنّنا لو دخلنا اعتقاداتهم فهم يؤمنون بالله الواحد الأحد نظريّاً ، لكنّ سلوكهم العملي ونهجهم العبادي هو سلوكٌ شركي ، ولهذا كانت العرب تقول -